ليالى الغربة
الثلاثاء,كانون الثاني 29, 2008


المنامة ـ من محمد فاضل

تقف شجرة عوسج على هضبة وسط الصحراء في جنوب مملكة البحرين شامخة منذ أربعة قرون وصامدة في وجه قسوة الطبيعة حتى أنها تحولت إلى قبلة للزوار وللسياح. وأشارت دراسة علمية أجريت مؤخراً على الشجرة التي أضحى يطلق عليها اسم "شجرة الحياة" بهدف كشف سر عمرها المديد وسط ظروف مناخية غير ملائمة، إلى أن شجرة العوسج قد تدين بعمرها الطويل إلى فطريات تعمل على تغذيتها بالماء.

وحسب أستاذ فسيولوجيا النبات بـ"جامعة الخليج العربي" في المنامة غازي الكركي فان سر بقاء هذه الشجرة التي تحولت الى قبلة للسياح "يعود إلى نوع من الفطريات تسمى المايكورايزا".

وقال الكركي الذي أجرى الدراسة "السبب الحقيقي وراء بقاء الشجرة لمئات السنين دون ري او تسميد في ارض جرداء قاسية يعود لهذه الفطريات" مضيفا "الشجرة ابتكرت آلية خاصة لتغذية نفسها ذاتياً بمساعدة فطر المايكورايزا".

وتابع أن "جذور الشجرة ممتدة باتجاهات مختلفة أفقية وعمودية في عمق التربة ، وأضاف أن  الشجرة أوجدت لنفسها آلية للحصول على الماء والغذاء من طبقات التربة العميقة جداً حيث يوجد الماء ، هذه الآلية ساعدتها على النمو والبقاء".

وتعدُّ هذه الشجرة وهي من فصيلة "العوسج" أعجوبة في البحرين حيث أنها تنتصب على هضبة بارتفاع 20 قدماً وسط الصحراء جنوب البحرين بدون اي مصادر للمياه من حولها او ري وتحولت إلى احد المعالم السياحية الشهيرة في البحرين.

واوضح الكركي "الآليات الطبيعية التي عمدت لها 'شجرة الحياة' تشمل تطوير نظام جذري طويل وعميق للمساعدة في امتصاص الماء من أعماق التربة ، كما قامت الشجرة بتطوير آليات لتحمل الجفاف وقلة خصوبة التربة من العناصر الغذائية من خلال بناء علاقة مفيدة مع بعض الكائنات الحية النافعة التي تعيش في التربة لمساعدتها في امتصاص الماء وإتاحة العناصر الغذائية لها".

وأضاف "ليس هناك اي مصدر للمياه حولها وليس هناك ري للشجرة. فطر المايكورايزا يضاعف من قدرة الشجرة على امتصاص المياه. خيوط الفطر تفرز ايضاً مواد حامضية تساعد النبات على التغذية ويفرز ايضاً مادة غروية تمسك حبيبات التربة وتحسن من احتفاظها بالمياه".

ولتأكيد هذه الفرضية، قام الكركي وفريق البحث بأخذ عينات من التربة المحيطة بالشجرة وجذور بعض النباتات القريبة منها لدراستها في مختبرات "جامعة الخليج العربي" بالإضافة إلى إجراء بعض التحاليل في مختبرات جامعة هوهنهايم الالمانية بالتعاون مع بعض العلماء الالمان، وفق الكركي.

ويعد فطر المايكورايزا من "الفطريات المهمة جداً في البيئة الصحراوية" ويوضح الكركي  "انه موجود في 90 في المئة من نباتات الكرة الارضية" مستدركاً "لكنه يتاثر بشدة بالأسمدة وخصوصاً الأسمدة الكيماوية التي تضعفه ولذلك أصبحت هناك حاجة أحيانا لإدخاله في النباتات لمساعدتها على النمو".

وتابع موضحا "هو احد اهم هذه الكائنات الدقيقة النافعة في التربة لما له من فوائد كبيرة، تعيش في التربة بشكل طبيعي وفي مختلف البيئات من خلال تكوينها علاقة تعايش مع جذور معظم النباتات وهذا ما دعا العلماء الى تسميته بفطر الجذور".

وفي اوائل الثمانينات من القرن الماضي، قام باحث بحريني متخصص في التاريخ القديم هو علي اكبر بوشهري بدراسة هذه الشجرة في محاولة لتحديد عمرها عبر تحليل مختبري لحلقات جذع الشجرة توصل بعدها الى ان عمر الشجرة يصل الى نحو 400 عام.

وعلق بوشهري على الاكتشاف الجديد قائلا "ان النتائج التي توصل اليها الكركي وفريقه دليل آخر يعزز الفرضية التي توصلت لها في الثمانينات في تحديد عمر الشجرة".

وقال بوشهري "اضافة الى تحليل حلقات جذع الشجرة مختبرياً قمت بدراسة نسبة سقوط الأمطار في البحرين منذ العام 1904 وحتى عام 1982 اعتماداً على سجل الأرصاد الجوية، وجدت تطابقاً بين سجل سقوط الأمطار وحلقات جذع الشجرة عدا سنوات الحرب العالمية الثانية حيث توقفت خدمة الأرصاد الجوية التي كان يديرها البريطانيون في البحرين في ذلك الوقت".

وتابع موضحا "ان بعض القطع الأثرية التي وجدت قرب موقع الشجرة كانت عبارة عن قطع فخارية إسلامية ساعدتنا أيضا في البحث. بعض الباحثين الغربيين حددوا عمر هذه القطع الأثرية ما بين القرن الثالث عشر والرابع عشر. لكن باحثاً باكستانياً هو محمد رفيق موغول حدد عمرها بالقرن الخامس عشر".

وأثارت الدراسة التي نشرها بوشهري في الثمانينات ضجة واسعة في البحرين في ذلك الحين، وقامت السلطات البحرينية بتحويل الشجرة الواقعة في عمق الصحراء أقصى جنوب البحرين إلى موقع سياحي ظل يجتذب السيَّاح حتى اليوم وخصوصاً السياح الأجانب.

وتعرضت هذه الشجرة الى حريق العام الماضي لكن الكركي قال ان "الحريق طال جزءاً ميتاً من جذع الشجرة" مضيفا "ان هذا ربما حمى الأجزاء الحية منها حتى الآن"

منقول من جنسترا  ( افاق علمية )